أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

189

قهوة الإنشاء

الشريفة ازدحم الملوك على لثم يمينه . وعساكره المنصورة « 1 » ما سلكت فجّا إلا سبقت سيوفها العذل ، وقالت الأعداء وقد ماتت أكثر نفوسها : « ليتنا عشنا بالذي فضل إن حصل » « 2 » : [ من البسيط ] وضاقت الأرض حتى كان هاربها * إذا رأى غير شيء ظنه رجلا فبعدها وإلى ذا اليوم لو ركضت * بالخيل في لهوات الطفل ما سعلا وإذا أمطر سحاب جوده وأغدق ، طلب كل من الناس الملاحظة بعين الرحمة لأن لا يغرق . وقد تقدم أن هذا البيت الشريف لا بد أن ينتخب له من يقوم بشعائره ، ويرفع منابر شكره لخطباء محاسنه من بادئه وحاضره ، ويكون الرجل الذي أشار إليه أبو الطيب بقوله « 3 » في حسن مآثره « 4 » : [ من البسيط ] إذا تغلغل فكر المرء في طرب * من مجده غرقت فيه خواطره ليظهر منه إذا أعرب عن نحو الملك حسن التصريف ، ويرى منه في نظم بيوته وتشييدها بديع الجناس والترصيف ، ويكون أحذق طبيب في استقصاء أعراضه ، وأسبق سهم إلى بلوغ أغراضه ، وأسعد مشير لم يفتقر الملك بحسن رأيه إلى رفع راية ، وأكرم جواد لم يصل معه مجار في حلبة الكرم إلى غاية . ولما كان المقر العالي ، الكبيري ، المدبري ، المشيري ، الفخري ، عبد الغني بن أبي الفرج - أعز اللّه أنصاره « 5 » - هو ابن نجدة هذه الأوصاف الجميلة وأبو عذرتها ، والفخر الذي انحصرت فيه هذه المفاخر ولبس تفاصيل جملتها ، والسيف الذي سلّ من هذا الغمد الشريف فأقام حدود الملك وما كلّ ، وتنصّل غيره إذ لم يكن في مضربه جوهر ، ولكن بئس ما تنصل ، والمتيقظ الذي نبّهناه فنامت عين الملك قريره ، وبان إدبار الأعداء لما صار مدبّره ومشيره ، اقتضت آراؤنا الشريفة تشريفه على الغير والمجانسة له بلبس تشريفه ، وأن يهزّ مثقف إنشائنا في تقليده فإنه في غنية من التعريف والتثقيف .

--> ( 1 ) المنصورة : ساقط من بر . ( 2 ) إن حصل : ساقط من طب ، ها . ( 3 ) بقوله : ساقط من طب ، تو . ( 4 ) « شرح ديوان المتنبي » ج 2 ص 223 . ( 5 ) أعز اللّه أنصاره : ساقط من طب .